عيون

 

عيون

لـ غيث حمود


يتمايل القارب كهودج على ظهر جمل يمشي الهوينا على صحراء من ماء، بحر العرب اليوم حنون، يداعب جوانب المركب بأصابع من تعب، موجاته تحنو على جوانب القارب فلا تلطمه.

مع سكون البحر واتساعه بدا كل شيء متمركزًا حوله في عين السمكة الواسعة وكأن الكون كله منها، عين واسعة كالأفق، عميقة كأسرار المحيط. شيء ما كالسحر يدفعه للنظر إلى تلك العين التي تقابله من جوف القارب. قبل قليل، سدد بعصاه الثقيلة عدة ضربات لرأس السمكة حتى همدت واسكت صراخها الأخرس، ثم أودعها القارب تحت قدميه. والآن ها هو مقيد بعينيها، تخترق روحه وتسأله أساله لا يسمعها.

لا فكرة في رأسه سوى عين السمكة ورقة البحر. لا يعلم ما هذا، لكنه يدرك أن شيئًا ما على وشك الوقوع. شعر بذلك، آمن أن حدثًا ما سيقع الآن. حتى إيمانه بهذه الحتمية لم يكن نتاج فكرة، بل وجد هذا الصوت في رأسه وعرفه.

البحر ساكن كأنه في قيلولة الظهيرة فارغا من كل شيء إلا منه. السماء خالية من السحب إلا من غيمة واحدة ضللته. أخذت عيناه الغيمة كما أخذتهما عين السمكة. تأملها مليًا، وما حرك عينيه عنها إلا ليعود إلى عين السمكة، ثم يرجع مرة أخرى للغمامة الوحيدة أمام عين السماء.

شاهد طائرًا من أقصى الأفق يقطع البحر وكأنه أتى من خارج الفضاء، رسولا من عالم آخر. راقبه يقترب حتى تبين معالمه. أدرك عيني الطائر وهما مصوبتان بلا خطأ نحو عين السمكة. كانت عيون الثلاثة في آن واحد عينًا واحدة، ثالوث من النظرات يتحد، حتى عبر الطائر من فوق القارب وأكمل طريقه. قام على قدميه واستدار جهة الطائر حتى اختفى.

هناك شيء ما يحدث، يعلم ذلك. يعلم عن طبول تقرع في أعماق البحر، عن شرارة تشتعل في قلب النجوم، عن رقصة حارة في جوف الصحراء، عن حرف يُكتب على صفحته. يعلم عنها ولا يدري أيها يحدث الآن، ويدرك أن عليه أن يفعل شيئًا، وعيون السمكة تخبره أن عليه فعل شيء ما.

امتدت يداه نحو العصا مرة أخرى وبدأ بتهشيم محرك القارب. قبل شهرين، استدان من ثلاثة أصدقاء ليشتري هذا المحرك ولم يسدد أي قسط حتى الآن، معتمدًا على أن موسم الصيد بدأ الآن ويبدو أنه مبشر للغاية. أمسك العصا عند رأسه قبل أن يهوي بها على المحرك مرة أخرى. لم يخالطه السؤال "لماذا؟" ولم يشعر بالندم مع كل ضربة، كان هناك صوت ما قال له أن يفعل، ولم يهتم بالتفسيرات.

لوح بالعصا للبحر ثم أخرج هاتفه، فتح آخر صورة فقبلها، ثم أتبعه العصا. وما كادت تندثر دائرة الماء عن وجه البحر حتى بدأ بخلع ثيابه ورميها.

جسده النحيف المحروق بالشمس مملوء بالشعر كالقرد، إلا من مكان في صدره على شكل خط طويل، ذكرى لمعركة قديمة. حرك أصابعه ونظر لعيني السمكة، وبعد حين وجد نفسه يربط ذيل السمكة برجله وشد لهما مرساة القارب. وقف لجهة الشمس، رفع يده وحركها، حيا الغمامة ثم قفز.

 

تمت

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما قاله الصمت لدوي الصاج النحاسي

خطوبة

x