خطوبة


لا جديد يثير الدهشة هنا كل شيء كما كان قبل عشر سنوات، أشعر أن الزمن يتحرك بي فقط، أما هذه القرية تبقى ثابتة وكأنها صورة فوتوغرافية لا يمكن التعديل عليها ولا يكسبها الزمن شيء سوى بهتان ألوانها، إلا أن البيوت كانت الاستثناء، نبتت كالعشب الذي يتبع المطر، تنسخ بعضها البعض في القبح والرتابة وفي الوظيفية الصرفة كأنها بيوت مؤقتة بنيت على عجل، لن يتطلب الأمر مني لوصفها الكثير، فماذا يمكن الكتابة عن مكعبات اسمنتية بجدران ملساء تحتاج للكثير من السنوات حتى يلتصق بها القليل من الدفء والذكريات.

عندما كنت صغيرا كنت ابني مع اخوتي وأبناء عمومتي بيوت بأشرطة المسجل، كان لعمي الأصغر المهوس بالفن حينها الكثير منها، ما يكفي ان نبني كلنا بيوت بطابقين، ما إن ننتهي من رص الأشرطة نبدئ بوصف بيوتنا لبعضنا البعض، لون الحوائط والشرفات الخشبية والسجاد وعدد عتبات الباب الخارجي، كانت تلك الجلسات واحدة من مباريات التفاخر اينا أكثر معرفة بالعالم خارج القرية.

- الحوش كبير وواسع، نصفه حديقة بها نخيل خلاص وبرني وهلالي ويمكن زبد وحنظل، بزرع بيذامتين على مدخل البيت من هذا الاتجاه، نصف الحوش الآخر مكان مخصص للعب، اريد ملعب طائرة في حوشي. الغرف كبيرة ولكل واحدة شرفة وحول سور البيت ازرع أشجار ليمون وسفرجل.

كان اخي الأوسط يصف بيته المستقبلي، يزيد بعض التفاصيل وينقص بعضها لكن دائما ما كانت رغبته مستمرة وثابته في زراعة النخيل، جديرا به ان يأخذ مكاني ويولد قبلي ليتولى هو مسؤوليات الأخ الأكبر دون الحاجة ليبرر لأمي وعمومتي لماذا فعل هذا او ذاك دون الرجوع لي، لم ارغب بمسؤوليات الأخ الأكبر قط ولا أقوم بها متى ما تمكنت من التنصل، اما محمد كان يريد ان يكبر بسرعة ليصبح ابي، وعندما كبر بدء يتصرف كأنه هو حتى في مشيته وصوته.

ما فاتنا أنا ومحمد وباقي أبناء العمومة أن الزمن يعدو، حتى لو كانت أرجله محظ ثواني، اختفت اشرطة عمي بفعل الزمن وبفعل موجة الحرام العاتية التي مرت على قريتنا كلها، فبعد ان كان الرقص والغناء فعالية لازمة لكل احتفال أصبح مغني حارتنا وطبالها إمام الصلاة وخطيب الجمعة، توعد كل اذن بالصديد والحديد لو عبر لها نغم، لم يعنيني كل ذلك الحرام فحينها لم أكن اعي لأي عته يجب أن تصل حتى تقنع رجلا جامعيا ذكي أن عبدالكريم عبدالقادر حرام وصوته موبق.

لم ألتفت كثيرا حينها ان اخي يسرق خفية اشرطة أغاني أبوبكر سالم ليبادلها مع أستاذ التربية الإسلامية في المدرسة بأشرطة الأناشيد الإسلامية والمحاضرات، لم تكن هذه المعلومة ذات بال حتى تشادينا أنا وأخي، كنت اعبر العام الواحد والعشرين ومحمد يصغرني بثلاث سنوات، فقدت امي خلالها اخا مات صغيرا، لذلك سمت من جاء بعده عوض، ولكن ابي كان قد اقسم لله في المسجد ان طفله القادم سيكون محمد إن عاش، هكذا نشأ باسمين محمد حين يتعلق الأمر بأبي والحكومة، وعوض حين يتعلق الأمر بلطف وحنان أمي.

في تلك المشادة ونحن بين المراهقة والرجولة قلت له وأنا لا اعلم كيف تركزت الفكرة في عقلي حتى اصبحت ذات صوت عالي، شجارنا ذاك لا أتذكر سببه لكن أتذكر انه كان يتكرر في تلك السنوات من المراهقة والعبور للرجولة كنا كوعلين نقوي قروننا بالتناطح، قلت له "لحيتك وطواعتك بنيت على الأشرطة المسروقة، لحيتك لحية لص"، قد تبدو جملة عابرة لكن إن كنت مراهق ترضى ان يتنمر رفاقك على لحيتك من أجل ان ترضي شيخك؛ فإن تلقيك مثل هكذا تعليق على اصل منبتها قد يدفعك للعراك بالأيدي وربما التخلص منها، ما آلم محمد أني لم اقل إلا الصدق.

محمد يفعل كل ما رغبت بالهرب منه والهروب من القرية كان احب احلامي، عندما اخترت تخصصي الدراسي كان معيار بعد الكلية عن القرية هو العامل الأهم، أما هو معلق بهذا المكان كتعليق البندول بالساعة، يقاوم أي حركة تبعده عن مستقرة في القرية، قبل سنوات في بداية شبابه وبعد أن انهى تعليمه الثانوي وجد عمل في شركة أحد عمومتنا الكثر في القرية براتب أقل من مؤهلاته وقدراته لكن بالنسبة له أي عمل يضطره المبيت خارج البيت ليس عمله، كل عمل لا يعطيه المرونة الكافية للذهاب لمحاضرات الشيوخ الزائرين في قريتنا والقرى المجاورة ليس عمله، بقى عاطلا زمن يبحث عن العمل المثالي القريب من النخل والسفرجل ولا يمنعه من ري المزرعة في الساعة الثالثة صباحا كل ثلاثاء.

بعد سنة تشاركنا انا وهو واحد أبناء عمنا ان نفتح سوبر ماركت، يعمل فيه بدوام كامل ويديره، كانت الفكرة لمحمد فقد لاحظ بحكم انه أصبح رجل المشتريات في البيت ورجل القرية المقيم أن اغلب الأشياء لا تتوفر في الدكان، كان دكان القرية مملوك لعامل هندي جاء قبل سنوات حتى اصبح من سكان القرية لدرجة انه يلعب الحواليس ويحظر الجنائز بالرغم انه هندوسي يحتفظ بتمثال لبراهما في آخر درج من طاولة الدكان.

عندما كنا صغار لم نبقي أي وسيلة للاحتيال على هذا الرجل، كنا نعطيه الدوائر المعدنية المقصوصة من علب الكهرباء على انها قطع نقدية فئة خمسين بيسة، كل ما علينا فعله ان نختار الوقت المناسب الذي ينهمك فيه بالحديث مع احد العجائز اصدقاءه، خصوصا بعد صلاة المغرب حين يتجمع عمال المزارع عند باب الدكان ويعلو صوت جدالهم، يأخذ القرص ويرميه في الدرج.

بعدها بسنوات طويلة عرفت انه كان يعلم بخدعة القرص ويعلم عن خدعة اعواد الآيس كريم التي نكتب عليها اننا ربحنا آيس كريم اخر بخط يدنا بقلم ذهبي لماع اشتريناه خصيصا لهذه الخدعة، يعلم عن جيوبنا المملوءة ببسكويت نبيل بالموز والبرتقال ذي الملصقات لنكمل كتاب الجوائز ونربح الكرة او قميص منتخب ايطاليا، لكنه كان يعتقد انه يتحصل على ما يكفي من الربح، كان يعتقد أنه هو الآخر عم من عمومتنا في هذي القرية والتغاضي عن سرقاتنا الصغيرة وسيلته لتدليلنا.

وماهي إلا ستة أشهر بعد افتتاح المحل الجديد وبعد ان اثبت انه كان على حق عندما أقنعنا بجدوى المشروع حتى فعل الشيء الذي لم استطع تقبله ولا اتخيل فعله كما فعل، الزواج، كان عمره حينها ثلاثة وعشرين سنة، تقدم لخطبة ابنة عمي التي رفضته وبشكل متوقع، لم تكن الاجمل لكن الأكثر طموح بكت طويلا لأجل اكمال تعليمها وحين اقتربت من التخرج كممرضة قام بخطبتها اخي الذي لا يهتم إلا انه يريد ان يتزوج من احدى بنات العم بغض النظر عمن تكون.

قام بخطبة ابنة عمي الآخر بعدها بيومين وهذه المرة حصل على القبول، فعل هذا دون ان يشعر بالغضب من رفضه في المرة الأولى ودون ان يشعر بالحرج من الخطبة الثانية.

-  بيتي عبارة عن غرفة واحدة كبيرة تنار بعشرة مصابيح، لا اريد ان اكتفي من الضوء، اريدها ان تغرق بالضوء، وبيتي دون جدران، اريد نوافذ كبيرة من الأرض وحتى السقف، لازم اشوف الشمس من كل مكان داخل البيت.

كنت انا القائل، وعندما كبرت تضاءلت طموحاتي حتى أصبحت شقة صغيرة في الخوض، يفنى من عمرنا الكثير لنحول بيوت الأشرطة لبيوت حقيقية، وخلال تلك السنوات تتساقط كل التفاصيل التي كنا نقولها عن منازل احلامنا، يتبقى القليل من كل شيء وحين نجمعها مع بعضها البعض ندرك انه ليس منزل العمر؛ بل التجسيد المباشر كيف تموت الرغبة في فعل الأشياء كما نريد وفعلها كما نستطيع.

شقتي ليس لها نوافذ كبيرة ولا مصابيح كثيرة، في الحقيقة انا لا أحب المصابيح وخصوصا البيضاء، تشعرني انني أغرق، في اليوم الأول لسكني فيها كنت اشعل المصابيح كلها، وكل صباح افتح الستائر لكن اليوم بعد سبع سنوات اكتفي بمصباح الطاولة في الصالة والغرفة بلون اصفر خافت، قمت بتغيير قماش الستائر ليكون معتم غير قابل لنفاذ الضوء، قد يشعرني هذا بالكئابة أحيانا لكن يشعرني دائما ان هذا المكان مكاني، اشعر عندما ادخل شقتي اني ادخل لمكان في جسدي، ترتيب الكراسي ومكان التلفاز وطاولة الكتب في مكانها الذي يجب ولا يهم ان كان  هناك ترتيب افضل، هي متواجدة هنا بنفس حتمية وجود القلب في اليسار قليلا من وسط الصدر، وفي المرات القليلة التي حاولت فيها التعديل على ترتيب الأشياء شعرت ان حياتي على وشك الانهيار.

لا اغادر الشقة كثيرا حياتي محصورة بين غرفة النوم والتلفاز في الصالة ومقر الوزارة التي اعمل بها في الخوير، بعض الأحيان اذهب للسينما والتسوق، لكن بعد قمت باستخدام تطبيق الشراء من الانترنت أصبحت مشاويري محصورة بالعمل والسينما والعودة لقريتي مرة كل شهر.

اعود للقرية وأجد كل تلك الأشياء التي تشعرني أني خرجت من مسقط قد انهارت واستبدلت بشيء آخر ربما أكثر عملياتية وسهولة لكن ما المغزى ألا تشم رائحة الخبز في الصباح وتشتريه من سوبر ماركت محمد؟ أين المعنى في مكينة المحراث العاملة بالديزل وليس الثور وخلفه الرجل الهرم؟ ما المعنى من كل هذه الميكنة في هذي القرية المنزوية هنا بعيدا عن التاريخ والمكان؟

عندما أفكر في هذا يخطر لي أن القرية ليست مكان، بل فكرة يجب المحافظة على اصالتها والسكان هنا ليس لهم حيوات، بل لهم عمل واحد وهو السهر على بقاء هذه القرية كما كانت قبل ألف عام، هل كانت هنا قبل ألف عام؟ لا أدري؛ ربما لكن ما اعرفه حقا أن هنا لا ينبغي أن يوجد أناس، بل جنود مسخرين لروح القرية معجونين بخليط من مسلمات بالية وموروثات معقدة والكثير من الذي يجب أن يكون ويفعل، دون أن يكون لهم الحق في التفكير في كل هذا.

عليهم الاستمرار في القتال على ميل النخل على بعضها البعض بين مزارعهم الصغيرة وفي الصيف عليهم خوض الشجار الدائم بين أصحاب الفلج والنسوة التي يغسلن مواعين الغداء، عليهم الاستمرار في فعل كل هذا بجانب افراحهم المشتركة وكراتين الطماطم والخس التي يتهادونها في الشتاء ليس حبا في بعضهم البعض، ولكنه محصول سريع الفساد وزاد عن حاجتهم.

أكره العودة إلى هنا لكن أحاول جهد صبري ان احافظ على روتين العودة مرة كل شهر، لأني لا أجد ما يربطني بهذا المكان سوى منزلنا المختبئ بين النخل والسواقي وأمي، لكن هل مسقط هي التي أحب؟ لا اشعر بذلك ايضا اشعر أني في رحلة متواصلة بين اللامكاني وبين اللامكان، وإن لا مكان لي غير مقعد السيارة، مسقط والقرية مجرد محطات استراحة ما أن ارتاح فيها أكمل رحلتي في ذات الطريق الذي كان كالحلم وأنا طفل والآن اعبره دون وعي.

عندما كنت طفلا كان أبي كبقية الآباء في قريتي يعمل بعيدا في تلك المدينة البعيدة التي نسمع ان بها شوارع معلقة، أذكر الآن كمية افتتان قريتنا بالجسور المعلقة التي لا نراها إلا في التلفاز لدرجة ان في الاعراس كانت تغنى النساء اغنية لا أتذكر كلماتها الآن لكن فيما معناها ان كلنا نشكر السلطان الذي طور بلادنا لدرجة انه علق الشوارع في الهواء، عندما أتذكر هذه الاغنية لا استغرب من غنائنا للشارع المعبد الذي لم يصل لقريتنا غير في مطلع الألفية الثاني، ليس هذا ما يحيرني لكن المحير هذا القدر المبالغ فيه للتعبير عن الاعجاب حتى تصبح إنجازات الاسفلت في المدينة البعيد اغنية لزفة عروسين في قريتنا المنزوية في أعماق الشرقية، ماذا سيفعل العروسين بالإسفلت في ليلتهما الموعودة؟ هذا العبث هو القرية التي في ذاكرتي وكلما عدت ووجدت القرية أكثر تعقلا شعرت أن يدا تعبث بأخوتي القرويين.

الشارع بين قريتي ومسقط بالنسبة لي ليس كله سواء، في المرات التي كان يصحبنا فيها ابي لمسقط قبل بداية كل عام دراسي لشراء ملازم المدرسة كان دائما يخالجني الشعور انه سيغضب وسيرجعنا للمنزل ولا اكف عن الدعاء ألا يحدث هذا إلا بعد عبورنا ذلك المنحنى من الشارع على بعد كيلومترات قليلة من المنزل، ما ان نتجاوز المنحنى يسري في داخلي الاطمئنان اننا تجاوزنا المكان الذي لا يمكن ان يرجعنا فيه للمنزل.

هل حصل وارجعنا ابي للمنزل ونحن في الطريق لمسقط؟ لا لم يحدث ذلك قط، ولا اعلم كيف بدأ الأمر معي ولماذا أواصل بنفس الشعور حتى بعد ان كبرت وامتلكت سيارتي الخاصة، في كل مرة اغادر المنزل لا اشعر أني في الطريق إلى مسقط حتى اتجاوز ذات المنحنى من الطريق وكأنه حافة العالم، حافة عالم القرية.

اعود اليوم إلى قريتي بسبب يختلف عن العادة اتصلت بي امي قبل أيام وقالت، بل أمرت ان اعود اليوم الأربعاء

-غدا الخميس سيأتي خطيب لخطبة اختك 

اعطتني بعض التعليمات الواجب فعلها كأخ أكبر في هذه العائلة، شملت التعليمات عدد معين من كراتين الفواكه المحددة وعلب من الحلوى وربع كيلو قهوة من دكان محدد من سوق فنجا، قلت

-       شوفي محمد يمكن عنده كل هذي الاشياء

لقد تجاهلت ردي وواصلت تعليماتها المحددة بدقة، كان علي القيام بما تقول فقط دون تقديم اقتراحات، بعد قائمة البرتقال والموز والسنطرة وأيضا بشكل حازم لا يدع لي مجال للنقاش أن علي الاتصال بعمومتي للحضور واستقبال الخاطبين معي، اعلم انها فعلت ذلك قبل ان تطلب مني وربما لم يأتي الخطاب لبيتنا إلا بعد أن اعطاهم احد عمومتي الإذن.

حين كنت طفلا كانت الابوة في القرية مشاعية، كان عمري يزيد عن العشرين عام عندما علمت أن منزل جيراننا لا تسكنه عائلة واحدة لأب واحد، بل عائلتين لأخوين، ربما يفسر جهلي هذا بعدم رغبتي بالخوض في التفاصيل أيا كانت وهذا ما لا انفيه عن نفسي منذ كنت طفلا، ويزيد عدم الاهتمام هذا كلما كبرت في العمر حتى أصبحت عدد الأشياء التي اهتم بها محدود للغاية، والتفسير الآخر لجهلي وهو الأكثر منطقية، في قريتنا انت لا تحتاج لأب محدد كل أحد هنا في مقام والدك حتى الهندوسي صاحب الدكان.

الكل هم عمومتك طالما توفرت بهم عدة شروط سهلة ولا تحتاج لجهد بل تكتسب مع العمر، تعلمت من ابي ان كل من هو اكبر منك هو عمك وكل كبير ذي ولد هو ابي وكل كبير وذي ولد ولحية بيضاء هو جدي، وقد كان ابي يعطي الحق لكل هؤلاء الأجداد والاباء والعمومة في تقويم سلوكي وسلوك أخي على حسب وجهات نظرهم المتغيرة في كل مرة أقوم بأي شيء تقريبا في وجودهم.

كان لآبائي واجدادي الكثر الحق في استخدام طاقتي الصبيانية في انهاء الاعمال الخاصة بهم، عندما كنت صغيرا لم يكن من الغريب ان اسمع أحدهم من حوش بيتنا ينادي اسمي لأفعل هذا او ذاك ولم يكن المستغرب إلا عدم رغبتي في تلبية النداء.

في أحد المرات القليلة التي شاركت فيها أحد زملائي في العمل عن سرابية الجدران في قريتنا وعن عبورنا لكل البيوت وكأنها مجرد غرف في بيت واحد أكبر، من كل الأسئلة الممكنة سألني

  • هل حدث تزاوج بين أبناء العمومة؟
  • نعم، حدث لأكثر من مرة، اخي تزوج
  • كيف؟
  • لا اعلم الإجابة عن نفسي ليس لي بنات عم كلهن اخواتي، لسن في منزلة الاخوات هن كذلك بما تعنيه الكلمة

أستطيع ان أتوقع جواب اخي لو كان معنا في المكتب، في البداية سينفي ان هذا السؤال جدير بالطرح والإجابة، الزواج من القريبة عمل حسن يؤجر الله عليه والحفاظ على النسل واصالة الدم على السنة العطرة الواجب اتباعها.

عني لم تشغلني بنات العمومة، بل كان كل شغلي أنا، بحثت عن نفسي طويلا، عشت كل صباي في غرفة صغيرة مع سبعة ذكور آخرين بنافذة واحدة صغيرة لا تفتح إلا درفة واحدة منها، شعرت انه قن دجاج مزدحم، كنا متلاصقين في تلك الغرفة ولم يكن لنا مساحة خاصة حتى داخل مخيلاتنا، كانت التسلية الوحيدة في تلك الغرفة عندما يقرر ابن عمي الأكبر انه حان الوقت لإغلاق المصباح وأن على عمي الآخر اخراج شريط عبد الكريم عبد القادر من مسجله واستبداله بشريط قرآن لعبدالباسط.

كانت تتحول الغرفة الغارقة في الظلام وصوت المقرئ الخافت لمكان أوسع بكثير، يتحول لساحة مدينة كبيرة تنتشر حولها المقاهي مليئة بالحركة، ساحة تكفي لاتفاق اثنين او ثلاثة للسباحة في الوادي، تكفي لأخي للاستماع للإذاعة من مذياعه الصغير، وتكفي لي أنا لإرسال الدعوات بغرفة لا يشركني فيها أحد.  

لم اسأل امي عن هؤلاء الخاطبين من هم ولم يدر في بالي ان اسأل بل هي بادرت كعادتها في اخباري بالتفاصيل، تسعى امي حثيثا ان تبقيني على اتصال بهذا المكان تخبرني عن كل ما يحدث حول بيتنا، وحول هنا ليست مقصورة على حيز صغير كالحارة ولا حتى القرية؛ بل كل شيء يمكن ان يتعلق بنا بصورة مباشرة او خفية، قبل ان تخبرني عن الخطيب اخبرتني عن قطيع الشياه الذي دخل حقل الذرة المجاور للبيت واباده كله وما تلاه من عراك بالأيدي بين عامل المزرعة وعامل الرعي، اخبرتني عن اتصالات خالاتي بالمجمل وملخص وافي عن كل اتصال، كالعادة تخبرني عن كل احد لكن لم تخبرني يوما عن نفسها.

بعد مضي اكثر من اربعين عاما على زواجها من الراحل ابي لاتزال أمي غريبة عن قريتي، وجودها حتى الآن يعتبر حالة شاذة في القرية، حين تزوجت ابي كان زواج الأقارب هو السلوك المتبع حتى غدا ما دونه سبب لحكايا الصباح والمساء، لذلك ليس من الغريب أن في قريتي العديد من المجانين وانصاف المجانين وأيضا مدعي الجنون، ولم تتغير هذه العادة بالشكل الكبير حتى الآن؛ فبالرغم من كل التأكيدات ان زواج الأقارب هو السبب لكل المجانين والاعاقات الجسدية لا احد يصدق ذلك، فما هذا السبب الغبي للغاية الذي سيحرم كل هذه العوائل العريقة من المحافظة على اصالة دمها!؟.

في القرية العنصرية تقف بين العنصرية وغياب العقل والمنطق، فهنا لا يوجد شخص يتعنصر في وجه الآخر، فعندما توجه لك إساءة من هذا النوع عليك ألا تأخذ الموضوع على شكل شخصي فأنت شخص جدير بالاحترام والإكبار، لكن العنصرية الموجهة لك تخص أصل عائلتك، لم افهم هذا الهراء يوما وأكثر ما يضحكني ويغضبني ان هذا الشكل من الفهم يقدم للآخرين كعذر يجب ان تتقبله بصدر رحب، بعد سنوات توقفت عن تحليل مثل هذا السلوك وارجعته ان نصف قريتنا مجانين بالولادة والنصف الآخر مجانين بالاختيار. 

امي مميزة عندما اقارنها بكل أمهات أصدقائي، هذا لا يعني انها رائعة لن أقول ذلك لأنها امي، هي عادية كبقية العاديين في قريتنا لكن عادية بشكل مختلف، جاءت من قرية أخرى بعيده، لا تفعل مثلهم تلك الأشياء الصغيرة غير المحسوسة التي تربطهم بالمكان، هنا لا تحتاج لفعل أي شيء إلا الحديث لتعلم من هو ولأي اسرة ينتمي، طريقة نطق بعض الحروف وايقاع النطق كفيلين لنعرف في قريتي من انت، لكن امي تطلب منها عقدين من الزمن فقط لتستطيع نطق حرف الراء كما نفعل.

أوقفت سيارتي بجانب حقل الذرة، قالت لي امي انهم بدئوا بتسوير الحقل وأراهم انهم قد قطعوا شوط كبير في هذا، لا أضن ان غزوة الشياه هي من حرضتهم على تسوير المزرعة، بل نيتهم المبيته، في آخر السنوات يسري مرض جدران المزارع كأنه الطاعون في القرية ويبدو أن لا مزرعة ستنجو، بالرغم من حقارة المزارع التي لا يتعدى بعضها خمسة أمتار في مثلها تشيد الاسوار حولها وتوضع لها الأبواب والقفول، يقفلون بهذه الأبواب والاقفال على ذكريات سطل التمر الصغير الذي كنا نحمله مرتين كل يوم لنلتقط التمر المتساقط.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما قاله الصمت لدوي الصاج النحاسي

x